فصل: تفسير الآيات رقم (15- 17)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


سورة السجدة

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏الم ‏(‏1‏)‏‏}‏

تقدم ما في نظائره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

افتتحت السورة بالتنويه بشأن القرآن لأنه جامع الهدى الذي تضمنته هذه السورة وغيرها ولأن جماع ضلال الضالّين هو التكذيب بهذا الكتاب، فالله جعل القرآن هدى للناس وخصّ العرب أن شَرفهم بجعلهم أولَ من يتلقّى هذا الكتاب، وبأنْ أنزله بلغتهم، فكان منهم أشد المكذبين بما جاء به، لا جرم أن تكذيب أولئك المكذبين أعرق في الضلالة وأوغل في أفَن الرأي‏.‏ وافتتاح الكلام بالجملة الاسمية لدلالتها على الدَوام والثبات‏.‏

وجيء بالمسند إليه معرفاً بالإضافة لإطالته ليحصل بتطويله ثم تعقيبه بالجملة المعترضة التشويقُ إلى معرفة الخبر وهو قوله ‏{‏من رب العالمين‏}‏ ولولا ذلك لقيل‏:‏ قرآن منزل من رب العالمين أو نحو ذلك‏.‏ وإنما عدل عن أسلوب قوله ‏{‏ألم ذلك الكِتِاب لا رَيْب فِيه‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏1، 2‏)‏ لأن تلك السورة نازلة بين ظهراني المسلمين ومن يُرجى إسلامهم من أهل الكتاب وهم ‏{‏الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 4‏]‏؛ وأما هذه السورة فقد جابَه الله بها المشركين الذين لا يؤمنون بالإله الواحد ولا يوقنون بالآخرة فهم أصلب عُوداً، وأشد كفراً وصُدوداً‏.‏

فقوله ‏{‏تنزيل الكتاب‏}‏ مبتدأ، وقوله ‏{‏لا ريب فيه‏}‏ جملة هي صفة للكتاب أو حال أو هي معترضة‏.‏ وقوله ‏{‏من رب العالمين‏}‏ خبر عن المبتدأ و‏{‏من‏}‏ ابتدائية‏.‏

والمعنى‏:‏ من عنده ووحيه، كما تقول‏:‏ جاءني كتاب من فلان‏.‏ ووقعت جملة ‏{‏لا ريب فيه‏}‏ بأسلوب المعلوم المقرّر فلم تجعل خبراً ثانياً عن المبتدأ لزيادة التشويق إلى الخبر ليقرر كونه من رب العالمين‏.‏

ومعنى ‏{‏لا ريب فيه‏}‏ أنه ليس أهلاً لأن يرتاب أحد في تنزيله من ربِّ العالمين لما حفّ بتنزيله من الدلائل القاطعة بأنه ليس من كلام البشر بسبب إعجاز أقصر سورة منه فضلاً عن مجموعه، وما عضده من حال المرسَل به من شهرة الصدق والاستقامة، ومجيء مثله من مثله مع ما هو معلوم من وصف الأمية‏.‏ فمعنى نفي أن يكون الريب مظروفاً في هذا الكتاب أنه لا يشتمل على ما يثير الريب، فالذين ارتابُوا بل كذبوا أن يكون من عند الله فهم لا يعْدُون أن يكونوا متعنّتين على علم، أو جُهّالاً يقولون قبل أن يتأملوا وينظروا؛ والأولون زعماؤهم والأخيرون دهماؤهم، وقد تقدم ذلك في أول سورة البقرة‏.‏

واستحضار الجلالة بطريق الإضافة بوصف ‏{‏رب العالمين‏}‏ دون الاسم العلَم وغيره من طرق التعريف لما فيه من الإيماء إلى عموم الشريعة وكون كتابها منزّلاً للناس كلهم بخلاف ما سبق من الكتب الإلهية، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏‏.‏ وفيه إيماء إلى أن من جملة دواعي تكذيبهم به أنه كيف خص الله برسالته بشراً منهم حسداً من عند أنفسهم لأن ربوبية الله للعالمين تنبئ عن أنه لا يُسأل عما يفعل وأنه أعلم حيث يجعل رسالاته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

جاءت ‏{‏أَمْ‏}‏ للإضراب عن الكلام السابق إضرابَ انتقال، وهي ‏{‏أَمْ‏}‏ المنقطعة التي بمعنى بل التي للإضراب‏.‏ وحيثما وقعت ‏{‏أمْ‏}‏ فهي مؤذنة باستفهام بالهمزة بعدها الملتزم حذفها بعد ‏{‏أمْ‏.‏‏}‏ والاستفهام المقدر بعدها هنا تعجيبي لأنهم قالوا هذا القول الشنيع وعُلِّمه الناس عنهم فلا جرم كانوا أحقَّاء بالتعجيب من حالهم ومقالهم لأنهم أبدوا به أمراً غريباً يُقضى منه العجب لدى العقلاء ذوي الأحلام الراجحة والنفوس المنصفة، إذ دلائل انتفاء الريب عن كونه من رب العالمين واضحة بَله الجزم بأنه مفترى على الله تعالى‏.‏

وصيغ الخبر عن قولهم العجيب بصيغة المضارع لاستحضار حالة ذلك القول تحقيقاً للتعجيب منه حتى لا تغفل عن حال قولهم أذهانُ السامعين كلفظ ‏(‏تقول‏)‏ في بيت هُذْلول العنبري من شعراء الحماسة‏:‏

تقول وصكّت صدرَها بيمينها *** أبعلي هذا بالرَّحَى المتقاعسُ

وفي المضارع مع ذلك إيذان بتجدد مقالتهم هذه وأنهم لا يقلعون عنها على الرغم مما جاءهم من البينات رغم افتضاحهم بالعجز عن معارضته‏.‏

والضمير المرفوع في ‏{‏افتراه‏}‏ عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه معلوم من مقام حكاية مقالهم المشتهر بين الناس، والضمير المنصوب عائد إلى ‏{‏الكتاب‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 2‏]‏‏.‏ وأضرب على قولهم ‏{‏افتراه‏}‏ إضراب إبطال ب ‏{‏بل هو الحق من ربك‏}‏ لإثبات أن القرآن حق، ومعنى الحق‏:‏ الصدق، أي‏:‏ فيما اشتمل عليه الذي منه أنه منزَّل من الله تعالى‏.‏ وتعريف ‏{‏الحق‏}‏ تعريف الجنس المفيد تحقيق الجنسية فيه‏.‏ أي‏:‏ هو حق ذلك الحق المعروفة ماهيته من بين الأجناس والمفارق لجنس الباطل‏.‏ وفي تعريف المسند بلام الجنس ذريعة إلى اعتبار كمال هذا الجنس في المسند إليه وهو معنى القصر الادعائي للمبالغة نحو‏:‏ أنت الحبيب وعمرو الفارس‏.‏

و ‏{‏من ربك‏}‏ في موضع حال من ‏{‏الحق،‏}‏ والحق الوارد من قِبل الله لا جرم أنه أكمل جنس الحق‏.‏ وكاف الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم واستحضرت الذات العلية هنا بعنوان ‏{‏ربك‏}‏ لأن الكلام جاء رداً على قولهم ‏{‏افتراه،‏}‏ يعنون النبي صلى الله عليه وسلم فكان مقام الرد مقتضياً تأييد من ألصقوا به ما هو بريء منه بإثبات أن الكتاب حق من ربِّ من ألصقوا به الافتراء تنويهاً بشأن الرسول عليه الصلاة والسلام وتخلصاً إلى تصديقه لأنه إذا كان الكتاب الذي جاء به حقاً من عند الله فهو رسول الله حقاً‏.‏

وقد جاءت هذه الآية على أسلوب بديع الإحكام إذ ثبت أن الكتاب تنزيل من رب جميع الكائنات، وأنه يحق أن لا يرتاب فيه مرتاب، ثم انتقل إلى الإنكار والتعجيب من الذين جزموا بأن الجائي به مفتر على الله، ثم رد عليهم بإثبات أنه الحق الكامل من ربِّ الذي نَسبوا إليه افتراءه فلو كان افتراه لقدر الله على إظهار أمره كما قال تعالى‏:‏

‏{‏ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لَقَطعْنَا منه الوَتِين فما منكم من أحد عنه حاجزين‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 44 47‏]‏‏.‏ ثم جاء بما هو أنكى للمكذبين وأبلغ في تسفيه أحلامهم وأوغل في النداء على إهمالهم النظر في دقائق المعاني، فبين ما فيه تذكرة لهم ببعض المصالح التي جاء لأجلها هذا الكتاب بقوله‏:‏ ‏{‏لتُنْذِر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون‏}‏ فقد جمعوا من الجهالة ما هو ضِغْث على إبَّالَة، فإن هذا الكتاب، على أن حقيته مقتضية المنافسة في الانتفاع به ولو لم يُلفَتُوا إلى تقلده وعلى أنهم دعوا إلى الأخذ به وذلك مما يوجب التأمل في حقّيته؛ على ذلك كلِّه فهم كانوا أحوج إلى اتباعه من اليهود والنصارى والمجوس لأن هؤلاء لم تسبق لهم رسالة مرسل فكانوا أبعد عن طرق الهدى بما تعاقب عليهم من القرون دون دعوة رسول فكان ذلك كافياً في حرصهم على التمسك به وشعورهم بمزيد الحاجة إليه رجاء منهم أن يهتدوا، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتّبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين مِن قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنّا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذّب بآيات الله وصدَف عنها‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 155 157‏]‏، فمثَل هؤلاء المكذبين كمَثل قول المعري‏:‏

هل تَزجرنَّكُمُ رِسالةُ مرسَل *** أم ليس ينفع في أُولاَك ألُوكُ

والقوم‏:‏ الجماعة العظيمة الذين يجمعهم أمر هو كالقِوام لهم من نسب أو موطن أو غرض تجمعوا بسببه‏.‏ وأكثر إطلاقه على الجماعة الذين يرجعون في النسب إلى جَدّ اختصوا بالانتساب إليه‏.‏ وتميزوا بذلك عمن يشاركهم في جدّ هو أعلى منه، فقُريش مثلاً قومٌ اختصوا بالانتساب إلى فِهر بن مالك بن النضر بن كنانة فتميزوا عمن عداهم من عقب كنانة فيقال‏:‏ فلان قرشي وفلان كناني ولا يقال لمن هو من أبناء قريش كناني‏.‏

ووصف القوم بأنهم ‏{‏ما أتاهم من نذير‏}‏ قبلَ النبي صلى الله عليه وسلم والنبي حينئذ يدعو أهل مكة ومن حولها إلى الإسلام وربما كانت الدعوة شملت أهل يثرب وكلّهم من العرب فظهر أن المراد بالقوم العرب الذين لم يأتهم رسول قَبْل محمد عليه الصلاة والسلام فإما أن يكون المراد قريشاً خاصة، أو عرب الحجاز أهلَ مكة والمدينة وقبائل الحجاز، وعرب الحجاز جذمان‏:‏ عدنانيون وقحْطانيون؛ فأما العدنانيون فهم أبناء عدنان وهم من ذرية إسماعيل وإنما تقومت قوميتهم في أبناء عدنان‏:‏ وهم مُضَرٌ وربيعةٌ وأنمار، وإيادٌ‏.‏ وهؤلاء لم يأتهم رسول منذ تقومت قوميتهم‏.‏ وأما جدهم إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام فإنه وإن كان رسولاً نبيئاً كما وصفه الله تعالى في سورة مريم، فإنما كانت رسالته خاصة بأهله وأصهاره من جُرهُم ولم يكن مرسلاً إلى الذين وجُدوا بعده لأن رسالته لم تكن دائمة ولا منتشرة، قال تعالى‏:‏

‏{‏وكان يأمر أهلَه بالصلاة والزكاة‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 55‏]‏‏.‏

وأما القحطانيون القاطنون بالحجاز مثل الأوس والخزرج وطيْء فإنهم قد تغيرت فرقهم ومواطنهم بعد سَيْل العَرم وانقسموا أقواماً جُدداً ولم يأتهم نذير منذ ذلك الزمن وإن كان المنذِرون قد جاءوا أسلافَهم مثلُ هود وصالح وتُبع، فذلك كان قبل تقوُّم قوميتهم الجديدة‏.‏

وإما أن يكون المراد العرَب كلَّهم بما يشمل أهل اليمن واليمامة والبحرين وغيرهم ممن شملتهم جزيرة العرب وكلّهم لا يعْدون أن يرجعوا إلى ذيْنك الجِذمين، وقد كان انقسامهم أقواماً ومواطن بعد سَيل العَرم ولم يأتهم نذير بعد ذلك الانقسام كما تقدم في حال القحطانيين من أهل الحجاز‏.‏ وأما ما ورد من ذكر حنظلة بن صَفوان صاحب أهل الرَّسّ، وخالد بن سِنان صاحب بني عَبْس فلم يثبت أنهما رسولان واختُلف في نبوّتهما‏.‏ وقد روي أن ابنة خالد بن سنان وفدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي عجوز وأنه قال لها‏:‏ «مرحباً بابنة نبيء ضَيَّعه قومُه»‏.‏ وليس لذلك سند صحيح‏.‏ وأيَّاً مَّا كان فالعرب كلهم أو الذين شملتهم دعوة الإسلام يومئذ يحق عليهم وصف ‏{‏ما أتاهم من نذير‏}‏ من وقت تحقق قوميتهم‏.‏

والمقصود به‏:‏ تذكيرهم بأنهم أحوج الأقوام إلى نذير، إذ لم يكونوا على بقية من هُدى وأثارةُ هِمَمهم لاغتباط أهل الكتاب ليتقبلوا الكتاب الذي أنزل إليهم ويسبقوا أهل الكتاب إلى اتّباعه؛ فيكون للمؤمنين منه السبْق في الشرع الأخير كما كان لمن لم يُسلم من أهل الكتاب السبق ببعض الاهتداء وممارسة الكتاب السابق‏.‏ وقد اهتم بعض أهل الأحلام من العَرب بتطلب الدين الحق فتهوّد كثير من عرب اليمن، وتنصّرتْ طيء وكَلْب وتغلب وغيرهم من نصارى العرب، وتتبع الحنيفية نفر مثل قُسّ بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نُفيل، وأمية بن أبي الصلت، وكان ذلك تطلباً للكمال ولم يأتهم رسول بذلك‏.‏

وهذا التعليل لا يقتضي اقتصار الرسالة الإسلامية على هؤلاء القوم ولا ينافي عموم الرسالة لمن أتاهم نذير، لأن لام العلة لا تقتضي إلا كون ما بعدها باعثاً على وقوع الفعل الذي تعلقت به دون انحصار باعثثِ الفعل في تلك العلة، فإن الفعل الواحد قد تكون له بواعث كثيرة، وأفعال الله تعالى منوطة بحكم عديدة، ودلائلُ عموم الرسالة متواترة من صريح القرآن والسنّة ومن عموم الدعوة‏.‏

وقيل‏:‏ أُريد بالقوم الذين لم يأتهم نذير من قبلُ جميعُ الأمم، وأن المراد بأنهم لم يأتهم نذير أنهم كلَّهم لم يأتهم نذير بعد أن ضلّوا، سواء منهم من ضلّ في شرعه مثل أهل الكتاب، ومن ضلّ بالخلو عن شرع كالعَرب‏.‏ وهذا الوجه بعيد عن لفظ ‏(‏قوم‏)‏ وعن فعل ‏{‏أتاهم‏}‏ ومفيتٌ للمقصود من هذا الوصف كما قدمناه‏.‏ وأما قضية عموم الدعوة المحمدية فدلائلها كثيرة من غير هذه الآية‏.‏ و‏(‏لعلّ‏)‏ مستعارة تمثيلاً لإرادة اهتدائهم والحرص على حصوله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

لما كان الركن الأعظم من أركان هدى الكتاب هو إثبات الوحدانية للإله وإبطال الشرك عُقب الثناء على الكتاب بإثبات هذا الركن‏.‏

وجيء باسم الجلالة مبتدأ لإحضاره في الأذهان بالاسم المختص به قطعاً لدابر عقيدة الشريك في الإلهية، وخَبَرُ المبتدأ جملة ‏{‏ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع‏}‏، ويكون قوله‏:‏ ‏{‏الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما صفة لاسم الجلالة‏.‏

وجيء باسم الموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر وأنه الانفراد بالربوبية لجميع الخلائق في السماوات والأرض وما بينهما، ومن أولئك المشركون المعنيون بالخبر، والخطاب موجه إلى المشركين على طريقة الالتفات‏.‏

والوليّ‏:‏ مشتق من الولاء، بمعنى‏:‏ العهد والحلف والقرابة‏.‏ ومن لوازم حقيقة الولاء النصر والدفاع عن المولَى‏.‏ وأُريد بالولي‏:‏ المشارك في الربوبية‏.‏

والشفيع‏:‏ الوسيط في قضاء الحوائج من دفع ضرّ أو جلب نفع‏.‏ والمشركون زعموا أن الأصنام آلهة شركاء لله في الإلهية ثم قالوا‏:‏ ‏{‏هؤلاء شفعاؤنا عند الله‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 18‏]‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏ما نعبدهم إلا لِيُقَرِّبونا إلى الله زلفى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏‏.‏

و ‏{‏مِن‏}‏ في قوله ‏{‏من دونه‏}‏ ابتدائية في محل الحال من ضمير ‏{‏لكم‏}‏، و‏(‏دون‏)‏ بمعنى غَير، و‏{‏مِن‏}‏ في قوله ‏{‏من ولي‏}‏ زائدة لتأكيد النفي، أي‏:‏ لا وليّ لكم ولا شفيع لكم غير الله فلا ولاية للأصنام ولا شفاعة لها إبطالاً لما زعموه لأصنامهم من الوصفين إبطالاً راجعاً إلى إبطال الإلهية عنها‏.‏ وليس المراد أنهم لا نصير لهم ولا شفيع إلا الله لأن الله لا ينصرهم على نفسه ولا يشفع لهم عند نفسه، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بأن الله مولَى الذين ءامنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 11‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏‏.‏

وتقدم تفسير نظيره ‏{‏إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش‏}‏ وبيان تأويل ‏{‏ثم استوى على العرش‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏54‏)‏‏.‏

وفُرّع على هذا الدليل إنكارٌ على عدم تدبرهم في ذلك وإهمالهم النظر بقوله‏:‏ ‏{‏أفلا تتذكرون‏}‏ فهو استفهام إنكاري‏.‏ والتذكر‏:‏ مشتق من الذُكر الذي هو بضم الذال وهو التفكر والنظر بالعقل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

جملة ‏{‏يدبر الأمر‏}‏ في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله تعالى ‏{‏الله الذي خلق السماوات والأرض‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 4‏]‏، أي‏:‏ خلق تلك الخلائق مدبِّراً أمرها‏.‏ ويجوز أن تكون الجملة استئنافاً، وقوله ‏{‏من السماء‏}‏ متعلق ب ‏{‏يدبر‏}‏ أو صفة للأمر أو حال منه، و‏{‏من‏}‏ ابتدائية‏.‏ والمقصود من حرفي الابتداء والانتهاء شمول تدبير الله تعالى الأمور كلها في العالمين العلوي والسفلي تدبيراً شاملاً لها من السماء إلى الأرض، فأفاد حرف الانتهاء شمول التدبير لأمورِ كل ما في السماوات والأرض وفيما بينهما‏.‏

والتدبير‏:‏ حقيقته التفكير في إصدار فعل متقن أوله وآخره وهو مشتق من دُبُر الأمر، أي‏:‏ آخره لأن التدبير النظر في استقامة الفعل ابتداء ونهاية‏.‏ وهو إذا وصف به الله تعالى كنايةٌ عن لازم حقيقته وهو تمام الإتقان، وتقدم شيء من هذا في أول سورة يونس وأول سورة الرعد‏.‏

و ‏{‏الأمر‏}‏‏:‏ الشأن للأشياء ونظامُها وما به تقوُّمها‏.‏ والتعريف فيه للجنس وهو مفيد لاستغراق الأمور كلها لا يخرج عن تصرفه شيء منها، فجميع ما نقل عن سلف المفسرين في تفسير الأمر يرجع إلى بعض هذا العموم‏.‏

والعروج‏:‏ الصعود‏.‏ وضمير ‏{‏يَعْرُجُ‏}‏ عائد على ‏{‏الأَمْرَ‏}‏، وتعديته بحرف الانتهاء مفيدة أن تلك الأمور المدبَّرة تصعد إلى الله تعالى؛ فالعروج هنا مستعار للمصير إلى تصرف الخالق دون شائبة تأثير من غيره ولو في الصورة كما في أحوال الدنيا من تأثير الأسباب‏.‏ ولما كان الجلال يشبَّه بالرفعة في مستعمل الكلام شبه المصير إلى ذي الجلال بانتقال الذوات إلى المكان المرتفع وهو المعبر عنه في اللغة بالعُروج، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إليه يصعَد الكَلِم الطّيب والعملُ الصالحُ يرفعُه‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 10‏]‏، أي‏:‏ يرفعه إليه‏.‏

و ‏{‏ثم‏}‏ للتراخي الرتبي لأن مرجع الأشياء إلى تصرفه بعد صدورها من لدنه أعظم وأعجب‏.‏

وقد أفاد التركيب أن تدبير الأمور من السماء إلى الأرض من وقت خلقهما وخلق ما بينهما يستقر على ما دبر عليه كلٌّ بحسب ما يقتضيه حال تدبيره من استقراره، ويزول بعضه ويبقى بعضه ما دامت السماوات والأرض، ثم يجمع ذلك كله فيصير إلى الله مصيراً مناسباً لحقائقه؛ فالذوات تصير مصير الذوات والأعراض والأعمال تصير مصير أمثالها، أي‏:‏ يصير وصفها ووصف أصحابها إلى علم الله وتقدير الجزاء، فذلك المصير هو المعبر عنه بالعروج إلى الله فيكون الحساب على جميع المخلوقات يومئذ‏.‏

واليوم من قوله ‏{‏في يوم كان مقداره ألف سنة‏}‏ هو اليوم الذي جاء ذكره في آية سورة الحج ‏(‏47‏)‏ بقوله‏:‏ ‏{‏وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون‏}‏ ومعنى تقديره بألف سنة‏:‏ أنه تحصل فيه من تصرفات الله في كائنات السماء والأرض ما لو كان من عمل الناس لكان حصول مثله في ألف سنة، فلك أن تقدر ذلك بكثرة التصرفات، أو بقطع المسافات، وقد فُرضت في ذلك عدة احتمالات‏.‏

والمقصود‏:‏ التنبيه على عظم القدرة وسعة ملكوت الله وتدبيره‏.‏ ويظهر أن هذا اليوم هو يوم الساعة، أي ساعة اضمحلال العالم الدنيوي، وليس اليوم المذكور هنا هو يوم القيامة المذكور في سورة المعارج قاله ابن عباس‏.‏ ولم يُعيِّن واحداً منهما، وليس من غرض القرّاء تعيين أحد اليومين ولكن حصول العبرة بأهوالهما‏.‏

وقوله في يوم‏}‏ يتنازعه كل من فعلي ‏{‏يُدبر‏}‏ و‏{‏يعرج‏}‏ أي يحصل الأمران في يوم‏.‏

و ‏{‏ألف عند العرب منتهى أسماءِ العدد وما زاد على ذلك من المعدودات يعبر عنه بأعداد أخرى مع عدد الألف كما يقولون خمسة آلاف، ومائة ألف، وألف ألف‏.‏

وألف يجوز أن يستعمل كناية عن الكثرة الشديدة كما يقال‏:‏ زرتُك ألفَ مرة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يود أحدهم لو يُعَمَّر ألف سنة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 96‏]‏، وهو هنا بتقدير كاف التشبيه أو كلمة نَحْوَ، أي كان مقداره كألف سنة أو نحو ألف سنة كما في قوله‏:‏ ‏{‏وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تَعُدُّون‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 47‏]‏‏.‏ ويجوز أن يكون ‏{‏ألف‏}‏ مستعملاً في صريح معناه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏مما تعدون‏}‏، أي‏:‏ مما تحسبُون في أعدادكم، و‏{‏ما‏}‏ مصدرية أو موصولية وهو وصف ل ‏{‏ألف سنة‏.‏ وهذا الوصف لا يقتضي كون اسم ألف مستعملاً في صريح معناه لأنه يجوز أن يكون إيضاحاً للتشبيه فهو قريب من ذكر وجه الشبه مع التشبيه، وقد يترجح أن هذا الوصف لما كان في معنى الموصوف صار بمنزلة التأكيد اللفظي لمدلوله فكان رافعاً لاحتمال المجاز في العدد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ‏(‏6‏)‏‏}‏

جيء بالإشارة إلى اسم الجلالة بعدما أجري عليه مِن أوصاف التصرف بخلق الكائنات وتدبير أمورها للتنبيه على أن المشار إليه باسم الإشارة حقيق بما يَرِد بعد اسم الإشارة من أجل تلك الصفات المتقدمة كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك على هدى من ربهم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏5‏)‏، لا جرم أن المتصرف بذلك الخلق والتدبير عالم بجميع مخلوقاته ومحيط بجميع شؤونها فهو عالم الغيب، أي‏:‏ ما غاب عن حواس الخلق، وعالِمُ الشهادة، وهو ما يدخل تحت إدراك الحواس، فالمراد بالغيب والشهادة‏:‏ كل غائب وكل مشهود‏.‏ والمقصود هو علم الغيب لأنهم لما أنكروا البعث وإحياء الموتى كانت شبهتهم في إحالته أن أجزاء الأجسام تفرقت وتخللت الأرضَ، ولذلك عقب بقوله بعده ‏{‏وقالوا أإذا ضَلَلْنَا في الأرض إنَّا لفِي خلق جديد‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 10‏]‏‏.‏ وأما عطف ‏{‏والشهادة‏}‏ فهو تكميل واحتراس‏.‏

ومناسبة وصفه تعالى ب ‏{‏العزيز الرحيم‏}‏ عقب ما تقدم أنه خلق الخلق بمحض قدرته بدون معين، فالعزة وهي الاستغناء عن الغير ظاهرة، وأنه خلقهم على أحوال فيها لطف بهم فهو رحيم بهم فيما خلقهم إذ جعل أمور حياتهم ملائمة لهم فيها نعيم لهم وجنبهم الآلام فيها‏.‏ فهذا سبب الجمع بين صفتي ‏{‏العزيز والرحيم هنا على خلاف الغالب من ذكر الحكيم مع العزيز‏.‏

و ‏{‏العزيز الرحيم‏}‏ يجوز كونهما خبرين آخرين عن اسم الإشارة أو وصفين ل ‏{‏عَالِم الغَيب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 9‏]‏

‏{‏الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ‏(‏7‏)‏ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ‏(‏8‏)‏ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

خبر آخر عن اسم الإشارة أو وصف آخر ل ‏{‏عالم الغيب‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 6‏]‏، وهو ارتقاء في الاستدلال مشوبٌ بامتنان على الناس أنْ أحْسنَ خلقهم في جملة إحسان خلق كل شيء وبتخصيص خلق الإنسان بالذكر‏.‏ والمقصود‏:‏ أنه الذي خلق كل شيء وخاصة الإنسان خلقاً بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وأخرج أصله من تراب ثم كوَّن فيه نظام النسل من ماء، فكيف تعجزه إعادة أجزائه‏.‏

والإحسان‏:‏ جعل الشي حَسناً، أي محموداً غير معيب، وذلك بأن يكون وافياً بالمقصود منه فإنك إذا تأملت الأشياء رأيتها مصنوعة على ما ينبغي؛ فصلابة الأرض مثلاً للسير عليها، ورقة الهواء ليسهل انتشاقه للتنفس، وتوجه لهيب النار إلى فوقُ لأنها لو كانت مثل الماء تلتهب يميناً وشمالاً لكثرت الحرائق فأما الهواء فلا يقبل الاحتراق‏.‏

وقوله ‏{‏خَلَقَه‏}‏ قرأه نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بصيغة فعل المضي على أن الجملة صفة ل ‏{‏شيء‏}‏ أي‏:‏ كل شيء من الموجودات التي خلقها وهم يعرفون كثيراً منها‏.‏ وقرأه الباقون بسكون اللام على أنه اسم هو بدل من ‏{‏كل شيء‏}‏ بدل اشتمال‏.‏ وتخلص من هذا الوصف العام إلى خلْق الإنسان لأن في خلقة الإنسان دقائق في ظاهره وباطنه وأعظمها العقل‏.‏

و ‏{‏الإنسان أُريد به الجنس، وبَدْءُ خلقه هو خلق أصله آدم كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 11‏]‏، أي‏:‏ خلقنا أباكم ثم صورناه ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم‏.‏ ويدل على هذا المعنى هنا قوله‏:‏ ‏{‏ثم جَعَل نسله من سلالة‏}‏ فإن ذلك بُدِئ من أول نسل لآدم وحواء، وقد تقدم خلْق آدم في سورة البقرة‏.‏ و‏{‏من‏}‏ في قوله ‏{‏مِن طِين‏}‏ ابتدائية‏.‏

والنسل‏:‏ الأبناء والذرية‏.‏ سمي نسلاً لأنه ينسل، أي‏:‏ ينفصل من أصله وهو مأخوذ من نَسَلَ الصوفُ والوَبَر إذا سقط عن جلد الحيوان، وهو من بابي كتب وضرب‏.‏

و ‏{‏من‏}‏ في قوله ‏{‏من سلالة‏}‏ ابتدائية‏.‏ وسميت النطفة التي يتقوم منها تكوين الجنين سُلالة كما في الآية لأنها تنفصل عن الرجل، فقوله ‏{‏من ماء مهين‏}‏ بيان ل ‏{‏سلالة‏.‏‏}‏ و‏{‏من‏}‏ بيانية فالسلالة هي الماء المهين، هذا هو الظاهر لمتعارف الناس؛ ولكن في الآية إيماء علمي لم يدركه الناس إلا في هذا العصر وهو أن النطفة يتوقف تكوّن الجنين عليها لأنه يتكون من ذرات فيها تختلط مع سلالة من المرأة وما زاد على ذلك يذهب فضلة، فالسلالة التي تنفرز من الماء المهين هي النسل لا جميع الماء المهين، فتكون ‏{‏من‏}‏ في قوله ‏{‏من ماء مهين‏}‏ للتبعيض أو للابتداء‏.‏

والمهين‏:‏ الشيء الممتهن الذي لا يعبأ به‏.‏ والغرض من إجراء هذا الوصف عليه الاعتبار بنظام التكوين إذ جعل الله تكوين هذا الجنس المكتمل التركيب العجيب الآثار من نوع ماء مهراق لا يُعبأ به ولا يصان‏.‏

والتسوية‏:‏ التقويم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏}‏ ‏[‏التين‏:‏ 4‏]‏‏.‏ والضمير المنصوب في ‏{‏سَوّاه‏}‏ عائد إلى ‏{‏نسله‏}‏ لأنه أقرب مذكور ولأنه ظاهر العطف ب ‏{‏ثم‏}‏ وإن كان آدم قد سُوِّي ونفخ فيه من الروح، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا سَوّيتُه ونفختُ فيه من روحي فَقَعُوا له ساجدين‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 72‏]‏‏.‏ وذكر التسوية ونفخ الروح في جانب النسل يؤذن بأن أصله كذلك، فالكلام إيجاز‏.‏

وإضافة الروح إلى ضمير الجلالة للتنويه بذلك السر العجيب الذي لا يعلم تكوينه إلا هو تعالى، فالإضافة تفيد أنه من أشد المخلوقات اختصاصاً بالله تعالى وإلا فالمخلوقات كلها لله‏.‏

والنفخ‏:‏ تمثيل لسريان اللطيفة الروحانية في الكثيفة الجسدية مع سرعة الإيداع، وقد تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا سوّيته ونفخْتُ فيه من رُوحي‏}‏ في سورة الحجر ‏(‏29‏)‏‏.‏

والانتقال من الغيبة إلى الخطاب في قوله‏:‏ وجعل لكم‏}‏ التفات لأن المخاطبين من أفراد الناس وجَعْل السمع والأبصار والأفئدة للناس كلهم غير خاص بالمخاطبين فلما انتهض الاستدلال على عظيم القدرة وإتقان المراد من المصنوعات المتحدث عنهم بطريق الغيبة الشامل للمخاطبين وغيرهم ناسب أن يُلتفت إلى الحاضرين بنقل الكلام إلى الخطاب لأنه آثرُ بالامتنان وأسعدُ بما يرد بعده من التعريض بالتوبيخ في قوله ‏{‏قليلاً ما تشكرون‏}‏‏.‏ والامتنان بقوى الحواس وقوى العقل أقوى من الامتنان بالخلق وتسويته لأن الانتفاع بالحواس والإدراك متكرر متجدد فهو محسوس بخلاف التكوين والتقويم فهو محتاج إلى النظر في آثاره‏.‏

والعدول عن أن يقال‏:‏ وجعلكم سامعين مبصرين عالمين إلى ‏{‏جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة‏}‏ لأن ذلك أعرق في الفصاحة، ولما تؤذن به اللام من زيادة المنة في هذا الجعل إذ كان جعلاً لفائدتهم ولأجلهم، ولما في تعليق الأجناس من السمع والأبصار والأفئدة بفعل الجعل من الروعة والجلال في تمكن التصرف، ولأن كلمة ‏{‏الأفئدة‏}‏ أجمع من كلمة عاقلين لأن الفؤاد يشمل الحواس الباطنة كلها والعقل بعضٌ منها‏.‏

وأفرد ‏{‏السَّمع‏}‏ لأنه مصدر لا يجمع، وجمع ‏{‏الأبصار والأفئدة‏}‏ باعتبار تعدد الناس‏.‏ وتقديم السمع على البصر تقدّم وجهه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏7‏)‏‏.‏ وتقديم السمع والأبصار‏}‏ على ‏{‏الأفئدة‏}‏ هنا عكس آية البقرة لأنه روعي هنا ترتيب حصولها في الوجود فإنه يكتسب المسموعات والمبصرات قبل اكتساب التعقل‏.‏

و ‏{‏قليلاً‏}‏ اسم فاعل منتصب على الحال من ضمير ‏{‏لكم،‏}‏ و‏{‏ما تشكرون‏}‏ في تأويل مصدر وهو مرتفع على الفاعلية ب ‏{‏قليلاً،‏}‏ أي‏:‏ أنعم عليكم بهذه النعم الجليلة وحالكم قلة الشكر‏.‏ ثم يجوز أن يكون ‏{‏قليلاً‏}‏ مستعملاً في حقيقته وهي كون الشيء حاصلاً ولكنه غير كثير‏.‏ ويجوز أن يكون كناية عن العدم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا يؤمنون إلا قليلاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 46‏]‏‏.‏ وعلى الوجهين يحصل التوبيخ لأن النعم المستحقة للشكر وافرة دائمة فالتقصير في شكرها وعدمُ الشكر سواء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

الواو للحال، والحال للتعجيب منهم كيف أحالوا إعادة الخلق وهم يعلمون النشأة الأولى، وليست الإعادة بأعجب من بدء الخلق وخاصة بدء خلق آدم عن عدم، وخُلوّ الجملة الماضوية عن حرف ‏(‏قد‏)‏ لا يقدح في كونها حالاً على التحقيق‏.‏

والاستفهام في ‏{‏أءذا ضللنا‏}‏ للتعجب والإحالة، أي أظهروا في كلامهم استبعاد البعث بعد فناء الأجساد واختلاطها بالتراب، مغالطة للمؤمنين وترويجاً لكفرهم‏.‏ والضّلال‏:‏ الغياب، ومنه‏:‏ ضلال الطريق، والضالة‏:‏ الدابة التي ابتعدت عن أهلها فلم يعرف مكانها‏.‏ وأرادوا بذلك إذا تفرقت أجزاء أجسادنا في خلال الأرض واختلطت بتراب الأرض‏.‏ وقيل‏:‏ الضلال في الأرض‏:‏ الدخول فيها بناء على أنه يقال‏:‏ أضلّ الناسُ الميت، أي‏:‏ دفنوه‏.‏ وأنشدوا قول النابغة في رثاء النعمان بن الحارث الغساني‏:‏

فآب مُضِلّوه بعين جَلية *** وغُودر بالجَوْلان حَزم ونائل

وقرأه نافع والكسائي ويعقوب‏:‏ ‏{‏إنا لفي خلق جديد‏}‏ بهمزة واحدة على الإخبار اكتفاء بدخول الاستفهام على أول الجملة ومتعلقها‏.‏ وقرأ الباقون ‏{‏أإنا لفي خلق جديد‏}‏ بهمزتين أولاهما للاستفهام والثانية تأكيد لهمزة الاستفهام الداخلة على ‏{‏أإذا ضللنا في الأرض‏.‏‏}‏ وقرأ ابن عامر بترك الاستفهام في الموضعين على أن الكلام خبر مستعمل في التهكم‏.‏

وتأكيد جملة ‏{‏إنَّا لفي خلق جديد‏}‏ بحرف ‏{‏إنَّ‏}‏ لأنهم حكوا القول الذي تعجبوا منه وهو ما في القرآن من تأكيد تجديد الخلق فحكوه بالمعنى كما في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وقال الذين كفروا هل ندلّكم على رجل يُنَبِّئكم إذا مُزِّقْتُم كلَّ ممزَّق إنكم لفي خلق جديد‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 7‏]‏، أي‏:‏ يُحَقِّق لكم ذلك‏.‏

و ‏{‏إذا‏}‏ ظرف وهو معمول لما في جملة ‏{‏إنا لفي خلق جديد‏}‏ من معنى الكون‏.‏ والخلق‏:‏ مصدر‏.‏ و‏{‏في‏}‏ للظرفية المجازية ومعناها المصاحبة‏.‏

والجديد‏:‏ المحدث، أي غير خلقنا الذي كنا فيه‏.‏

و ‏{‏بل‏}‏ من ‏{‏بل هُم بلقاء ربهم كافرون‏}‏ إضراب عن كلامهم، أي ليس إنكارهم البعث للاستبعاد والاستحالة لأن دلائل إمكانه واضحة لكل متأمل ولكن الباعث على إنكارهم إياه هو كفرهم بلقاء الله، أي كفرهم الذي تلقوه عن أيمتهم عن غير دليل، فالمعنى‏:‏ بل هم قد أيقنوا بانتفاء البعث فهم متعنّتون في الكفر مُصرّون عليه لا تنفعهم الآيات والأدلة‏.‏ فالكفر المثبت هنا كفر خاص وهو غير الكفر الذي دل عليه قولهم ‏{‏أإذا ضَلَلْنا في الأرض إنا لفي خلق جديد‏}‏ فإنه كفر بلقاء الله لكنهم أظهروه في صورة الاستبعاد تشكيكاً للمؤمنين وترويجاً لكفرهم‏.‏

وتقديم المجرور على ‏{‏كافرون‏}‏ للرعاية على الفاصلة، والإتيان بالجملة الاسمية لإفادة الدوام على كفرهم والثبات عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

استئناف ابتدائي جار على طريقة حكاية المقاولات لأن جملة ‏{‏قل في معنى جواب لقولهم أإذا ضللنا في الأرض إنّا لفي خلق جديد‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 10‏]‏؛ أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعيد إعلامهم بأنهم مبعوثون بعد الموت‏.‏ فالمقصود من الجملة هو قوله ‏{‏ثم إلى ربكم ترجعون‏}‏ إذ هو مناط إنكارهم، وأما إنهم يتوفّاهم ملك الموت فذكره لتذكيرهم بالموت وهم لا ينكرون ذلك ولكنهم ألهتهم الحياة الدنيا عن النظر في إمكان البعث والاستعداد له فذكروا به ثم أدمج فيه ذكر ملك الموت لزيادة التخويف من الموت والتعريض بالوعيد من قوله ‏{‏الذي وُكِّل بكم‏}‏ فإنه موكل بكل ميت بما يناسب معاملته عند قبض روحه‏.‏ وفيه إبطال لجهلهم بأن الموت بيد الله تعالى وأنه كما خلقهم يميتهم وكما يميتهم يحييهم، وأن الإماتة والإحياء بإذنه وتسخير ملائكته في الحالين‏.‏ وذلك إبطال لقولهم ‏{‏ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 24‏]‏ فأعلمهم الله أنهم لا يخرجون عن قبضة تصرفه طرفة عين لا في حال الحياة ولا في حال الممات‏.‏ وإذا كان موتهم بفعل ملك الموت الموكل من الله بقبض أرواحهم ظهر أنهم مردودة إليهم أرواحهم متى شاء الله‏.‏

والتوفّي‏:‏ الإماتة‏.‏ وتقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي يتوفاكم بالليل‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏60‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة‏}‏ في سورة الأنفال ‏(‏50‏)‏‏.‏

وملك الموت هو الملك الموكّل بقبض الأرواح وقد ورد ذكره في القرآن مفرداً كما هنا وورد مجموعاً في قوله‏:‏ ‏{‏ولو تَرى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة‏}‏ في سورة الأنفال ‏(‏50‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏تَوفّتْه رسُلُنا‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏61‏)‏، وذلك أن الله جعل ملائكة كثيرين لقبض الأرواح وجعل مُبلِّغ أمر الله بذلك عزرائيل فإسناد التوفّي إليه كإسناده إلى الله في قوله ‏{‏الله يتوفّى الأنفس‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 42‏]‏، وجعل الملائكة الموكلين بقبض الأرواح أعواناً له وأولئك يسلمون الأرواح إلى عزرائيل فهو يقبضها ويودعها في مقارها التي أعدها الله لها، ولم يرد اسم عزرائيل في القرآن‏.‏ وقيل‏:‏ إن ملك الموت في هذه الآية مراد به الجنس فتكون كقوله ‏{‏توفته رسلنا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 61‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

أردف ذكر إنكارهم البعث بتصوير حال المنكرين أثر البعث وذلك عند حشرهم إلى الحساب، وجيء في تصوير حالهم بطريقة حذف جواب ‏{‏لو‏}‏ حذفاً يرادفه أن تذهب نفس السامع كل مذهب من تصوير فظاعة حالهم وهول موقفهم بين يدي ربهم، وبتوجيه الخطاب إلى غير معيّن لإفادة تناهي حالهم في الظهور حتى لا يختصّ به مخاطب‏.‏ والمعنى‏:‏ لو ترى أيها الرائي لرأيت أمراً عظيماً‏.‏

و ‏{‏المجرمون هم الذين قالوا أإذا ضللنا في الأرض إنّا لفي خلق جديد‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 10‏]‏، فهو إظهار في مقام الإضمار لقصد التسجيل عليهم بأنهم في قولهم ذلك مُجرمون، أي آتون بجُرم وهو جُرم تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وتعطيل الدليل‏.‏

والناكس‏:‏ الذي يجعل أعلى شيء إلى أسفل، يقال‏:‏ نكس رأسه، إذا طأطأه لأنه كمن جعل أعلى الشيء إلى أسفل‏.‏ ونكْس الرؤوس علامة الذلّ والندامة، وذلك مما يُلاقون من التقريع والإهانة‏.‏

والعندية عندية السلطة، أي وهم في حكم ربهم لا يستطيعون محيداً عنه، فشبه ذلك بالكون في مكان مختص بربهم في أنهم لا يفلتون منه‏.‏

وجملة ‏{‏ربنا أبصرنا وسمعنا‏}‏ إلى آخرها مقول قول محذوف دلّ عليه السياق هو في موضع الحال، أي ناكسو رؤوسهم يقولون أو قائلين‏:‏ أبصرْنا وسمعنا، وهم يقولون ذلك ندامة وإقراراً بأن ما توعدهم القرآن به حق‏.‏

وحذف مفعول ‏{‏أبصرنا‏}‏ ومفعول ‏{‏سمعنا‏}‏ لدلالة المقام، أي أبصرنا من الدلائل المبصرَة ما يصدّق ما أُخبرنا به فقد رأوا البعث من القبور ورأوا ما يعامل به المكذبون، وسمعنا من أقوال الملائكة ما فيه تصديق الوعيد الذي توعدنا به، أي‏:‏ فعلمنا أن ما دعانا إليه الرسول هو الحق الذي به النجاة من العذاب فأرجِعْنا إلى الدنيا نعمل صالحاً كما قالوا في موطن آخر ‏{‏ربنا أخِّرْنا إلى أجل قريب نُجِبْ دعوتك ونتبع الرسل‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 44‏]‏‏.‏

وقوله ‏{‏إنا موقنون‏}‏ تعليل لتحقيق الوعد بالعمل الصالح بأنهم صاروا موقنين بحقية ما يدعوهم الرسول صلى الله عليه وسلم إليه فكانت ‏{‏إنَّ‏}‏ مغنية غناء فاء التفريع المفيدة للتعليل، أي ما يمنعنا من تحقيق ما وُعدنا به شك ولا تكذيب، إنَّا أيقنا الآن أن ما دُعينا إليه حق‏.‏ فاسم الفاعل في قوله ‏{‏موقنون‏}‏ واقع زمان الحال كما هو أصله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

اعتراض بين القول المقدر قبل قوله ‏{‏ربنا أبصَرْنا وسمِعنا‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 12‏]‏ وبين الجواب عنه بقوله ‏{‏فذوقوا بما نَسِيتم‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 14‏]‏ فالواو التي في صدر الجملة اعتراضية، وهي من قبيل واو الحال‏.‏

ومفعول فعل المشيئة محذوف على ما هو الغالب في فعل المشيئة الواقع شرطاً استغناء عن المفعول بما يدل عليه جواب الشرط‏.‏ والمعنى‏:‏ لو شئنا لجبلنا كل نفس على الانسياق إلى الهدى بدون اختيار كما جبلت العجماوات على ما ألهمت إليه من نظام حياة أنواعها فلكانت النفوس غير محتاجة إلى النظر في الهدى وضده، ولا إلى دعوة من الله إلى طريق الهدى، ولكن الله لما أراد أن يَكل إلى نوع الإنسان تعمير هذا العالم، وأن يجعله عنواناً لعلمه وحكمته، وأن يفضله على جميع الأنواع والأجناس العامرة لهذا العالم؛ اقتضى لتحقيق هذه الحكمة أن يخلق في الإنسان عقلاً يدرك به النفعَ والضرّ، والكمال والنقص، والصلاح والفساد، والتعمير والتخريب، وتنكشف له بالتدبر عواقب الأعمال المشتبهة والمموّهة بحيث يكون له اختيار ما يصدر عنه من أجناس وأنواع الأفعال التي هي في مكنته بإرادة تتوجه إلى الشيء وضده، وخلق فيه من أسباب العمل وآلاته من الجوارح والأعضاء إذا كانت سليمة فكان بذلك مستطيعاً لأن يعمل وأن لا يعمل على وفاق ميله واختياره وكسبه‏.‏ وهذا المعنى هو الذي سماه الأشعري بالكسب وبالاستطاعة وتكفل له بإعانته على ما خُلق له من الإدراك يدعوه إلى ما يريده الله منه من الهدى والصلاح في هذا العالم بواسطة رسل من نوعه يبلغون إليه مراد ربهم فطرهم على الصفات الملكية وجعلهم وسائط بينه وبين الناس في إبلاغ مراد ربهم إليهم‏.‏ ووعده الناس بالجزاء على فعل الخير وفعل الشر بما فيه باعث على الخير ورادع عن الشر‏.‏

وقد أراد الله أن يفضل هذا النوع بأن يجعل منه عُمّاراً لعالم الكمال الخالد عالم الروحانيات فجعل لأهل الكمال الديني مراتب سامية متفاوتة في عالم الخلد على تفاوت نفوسهم في ميدان السبق إلى الكمالات، وجعل أضداد هؤلاء عمّاراً لهُوة النقائص فملأ منهم تلك الهوة المسماة جهنم‏.‏

فهذا معنى قوله ‏{‏ولكن حقّ القول منّي لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين‏}‏ البالغ من الإيجاز مبلغ الإعجاز، إذ حذف معظم ما أريد بحرف الاستدراك الوارد على قوله ‏{‏ولو شئنا لآتينا كل نفس هُدَاها؛‏}‏ فإن مقتضى الاستدراك أن يقدر‏:‏ ولكنا لم نشأ ذلك بل شئنا أن نخلق الناس مختارين بين طريقي الهدى والضلال، ووضعنا لهم دواعي الرجاء والخوف، وأريناهم وسائل النجاة والارتباك بالشرائع قال تعالى‏:‏ ‏{‏وهديناه النجدين‏}‏ ‏[‏البلد‏:‏ 10‏]‏ أي‏:‏ الطريقين، وحققنا الأخبار عن الجزاءين بالوعد والوعيد بالجنة وجهنم فلأمْلأنّ جهنم بأهل الضلال من الجِنَّة والناس أجمعين، فدخل هذا في قوله ‏(‏تعالى‏)‏‏:‏ ‏{‏حَقّ القول منّي لأملأنّ جهنم من الجِنَّة والنَّاس أجْمَعين‏}‏ بما يشبه دلالة الاقتضاء، وقد أومأ إلى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم

«إن الله خلق الجنة وخَلَق لها مِلأْها وخلق النار وخلق لها مِلأْها»‏.‏ وإنما اختير الاقتصار في المنطوق به الدال على المحذوف على شق مصير أهل الضلال لأنه الأنسب بسياق الاعتراض إثْر كلام أهل الضلالة في يوم الجزاء، ولأنه أظهر في تعلق مضمون جملة الاعتراض بمضمون اقتراحهم، أي لو كان إرجاعهم إلى الدنيا ليعملوا الصالحات مقتضى لحكمتنا لكنا جبلناهم على الهدى في حياتهم الدنيا فكانوا يأتون الصالحات بالقَسر والإلجاء‏.‏ فالمراد ‏{‏القول‏}‏ ما أوعد الله به أهل الشرك والضلال‏.‏

و ‏{‏الجِنَّة‏:‏ الجِنّ وهم الشياطين‏.‏

وجعل جمهور المفسرين قوله ولو شئنا لآتينا كلّ نفس هُدَاها‏}‏ إلى آخره جواباً موجهاً من قبل الله تعالى إلى المجرمين عن قولهم ‏{‏ربّنا أبصرنا‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 12‏]‏ الخ‏.‏

ووجود الواو في أول هذا الكلام ينادي على أنه ليس جواباً لقول المشركين يومئذ فهم أقل من أن يجعلوا أهلاً لتلقي هذه الحكمة بل حقهم الإعراض عن جوابهم كما جاء في آية سورة المؤمنين ‏(‏106 108‏)‏‏:‏ ‏{‏قالوا ربنا غَلَبَتْ علينا شقوتُنا وكنّا قوماً ضالّين ربنا أخرجنا منها فإنْ عدنا فإنّا ظالمون قال اخسأوا فيها ولا تُكَلّمون‏}‏ ولأنه لا يلاقي سؤالهم لأنهم سألوا الرجوع ليعملوا صالحاً ولم يكن كلامهم اعتذاراً عن ضلالهم بأن الله لم يؤتهم الهدى في الحياة الدنيا، وإنما هذا بيان من الله ساقه للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين ليحيطوا علماً بدقائق الحكمة الربانية‏.‏

وعدل عن الإضافة حَقَّ القولُ مِني‏}‏ فلم يقل‏:‏ حقَّ قولي، لأنه أريد الإشارة إلى قول معهود وهو ما في سورة ص ‏(‏85‏)‏‏:‏ ‏{‏لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين‏}‏ أي حق القول المعهود‏.‏ واجتلبت ‏{‏مِن‏}‏ الابتدائية لتعظيم شأن هذا القول بأنه من الله‏.‏ وعدل عن ضمير العظمة إلى ضمير النفس لإفادة الانفراد بالتصرف ولأنه الأصل، مع ما في هذا الاختلاف من التفنن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

هذا جواب عن قولهم ‏{‏ربنا أبصرْنَا وسمِعنا‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 12‏]‏ الذي هو إقرار بصدق ما كانوا يكذّبون به، المؤذِن به قولهم ‏{‏ربّنا أبصَرْنا وسمعنا‏.‏‏}‏ فالفاء لتفريع جواب عن إقرارهم إلزاماً لهم بموجب إقرارهم، أي فيتفرع على اعترافكم بحقية ما كان الرسول يدعوكم إليه أن يلحقكم عذاب النار‏.‏

ومجيء التفريع من المتكلم على ما هو من كلام المخاطب فيه إلزام بالحجة كالفاءات في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال فاخرج منها فإنك رجيم‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 34‏]‏ وقوله ‏{‏قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغْوِينَّهم أجمعين‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 79 82‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فالحقَّ والحقَّ أقول لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 84 85‏]‏؛ فهذه خمس فاءات كل فاء منها هي تفريع من المتكلم بها على كلام غيره‏.‏ وقد تقدم ذلك في العطف بالواو عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال ومن ذريتي‏}‏ في سورة ‏(‏البقرة 124‏)‏ واستعمال الذوق بمعنى مطلق الإحساس مجاز مرسل تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليَذوق وبالَ أمرِه‏}‏ في سورة العقود ‏(‏95‏)‏‏.‏ ومفعول ‏(‏ذوقوا‏)‏‏}‏ محذوف دل عليه السياق، أي فذوقوا ما أنتم فيه مما دعاكم إلى أن تسألوا الرجوع إلى الدنيا‏.‏

والنسيان الأول‏:‏ الإهمال والإضاعة، وتقدم في قوله تعالى ‏{‏فنسي‏}‏ في سورة طه ‏(‏88‏)‏‏.‏

والباء للسببية، أي‏:‏ بسبب إهمالكم الاستعداد لهذا اليوم‏.‏ والنسيان في قوله ‏{‏نسِيناكم‏}‏ مستعمل في الحرمان من الكرامة مع المشاكلة‏.‏

واللقاء‏:‏ حقيقته العثور على ذات، فمنه لقاء الرجل غيره وتجيء منه الملاقاة، ومنه‏:‏ لقاء المرء ضالة أو نحوها‏.‏ وقد جاء منه‏:‏ شيء لَقىً، أي مطروح‏.‏ ولقاء اليوم في هذه الآية مجاز في حلول اليوم ووجوده على غير ترقب كأنه عُثِر عليه‏.‏

وإضافة ‏(‏يوم‏)‏ إلى ضمير المخاطبين تهكم بهم لأنهم كانوا ينكرونه فلما تحققوه جُعل كأنه أشد اختصاصاً بهم على طريقة الاستعارة التهكمية لأن اليوم إذا أضيف إلى القوم أو الجماعة إذا كان يوم انتصار لهم على عدوهم قال السموأل‏:‏

وأيامنا مشهورة في عدوِّنا *** لها غررٌ معلومة وحجول

ويقولون‏:‏ أيامُ بني فلان على بني فلان، أي أيام انتصارهم‏.‏ وسبب ذلك أن تقدير الإضافة على معنى اللام وهي تفيد الاختصاص المنتزع من المِلك، قال عمرو بن كلثوم‏:‏

وأيَّام لنا غُرَ طوالٍ ***

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك اليوم الحق‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 39‏]‏، أي‏:‏ يوم نصر المؤمنين على المشركين في الآخرة نصراً مؤبَّداً، أي ليس كأيامكم في الدنيا التي هي أيام نصر زائل‏.‏

والإشارة ب ‏{‏هذا‏}‏ إلى اليوم تهويلاً له‏.‏

وجملة ‏{‏إنَّا نسِيناكم‏}‏ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن المجرمين إذا سمعوا ما علموا منه أنهم ملاقو العذاب من قوله ‏{‏فذوقوا بما نسِيتم لقاء يومكم هذا‏}‏ تطلعوا إلى معرفة مدى هذا العذاب المَذوق وهل لهم منه مخلص وهل يُجابون إلى ما سألوا من الرجعة إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم من التصديق، فأعلموا بأن الله مُهمل شأنهم، أي لا يستجيب لهم وهو كناية عن تركهم فيما أُذيقوه‏.‏

وقد تقدم في سورة طه ‏(‏126‏)‏ قوله‏:‏ ‏{‏قال كذلك أتتك آياتنا فَنسِيتَها وكذلك اليوم تُنْسَى‏}‏ فشبه بالنسيان إظهاراً للعدل في الجزاء وأنه من جنس العمل المُجازَى عنه‏.‏ وقد حُقّق هذا الخبر بمؤكدات وهي حرف التوكيد‏.‏ وإخراج الكلام في صيغة الماضي على خلاف مقتضى الظاهر من زمن الحال لإفادة تحقق الفعل حتى كأنه مضى ووقع‏.‏

وقوله وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون‏}‏ عطف على ‏{‏فذوقوا بما نَسِيتُم‏}‏، وهو وإن أفاد تأكيد تسليط العذاب عليهم فإن عطفه مراعى فيه ما بين الجملتين من المغايرة بالمتعلِّقات والقيود مغايرة اقتضت أن تعتبر الجملة الثانية مفيدة فائدة أخرى؛ فالجملة الأولى تضمنت أن من سبب استحقاقهم تلك الإذاقة إهمالَهم التدبر في حلول هذا اليوم، والجملة الثانية تضمنت أن ذلك العذاب مستمر وأن سبب استمرار العذاب وعدم تخفيفه أعمالهم الخاطئة وهي أعم من نسيانهم لقاء يومهم ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 17‏]‏

‏{‏إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏15‏)‏ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ‏(‏16‏)‏ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

استئناف ناشئ عن قوله ‏{‏أم يقولون افتراه الآية‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 3‏]‏، تفرغ المقام له بعد أن أنحى بالتقريع والوعيد للكافرين على كفرهم بلقاء الله، بما أفادت اسمية جملة ‏{‏بل هم بلقاء ربهم كافرون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 10‏]‏ من أنهم ثابتون على الكفر بلقاء الله دائمون عليه، وهو مما أنذرتهم به آيات القرآن، فالتكذيب بلقاء الله تكذيب بما جاء به القرآن فهم لا يؤمنون، وإنما يؤمن بآيات الله الذين ذُكرت أوصافهم هنا‏.‏

والمراد بالآيات هنا آيات القرآن بقرينة قوله ‏{‏الذين إذا ذُكِّروا بها‏}‏ بتشديد الكاف، أي أعيد ذكرها عليهم وتكررت تلاوتها على مسامِعهم‏.‏

ومفاد ‏{‏إنما‏}‏ قصر إضافي، أي يؤمن بآيات الله الذين إذا ذكروا بها تذكيراً بما سبق لهم سماعه لم يتريّثوا عن إظهار الخضوع لله دون الذين قالوا ‏{‏أإذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض إنَّا لفي خلق جديد‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 10‏]‏، وهذا تأييس للنبيء صلى الله عليه وسلم من إيمانهم، وتعريض بهم بأنهم لا ينفعون المسلمين بإيمانهم ولا يغيظونهم بالتصلب في الكفر‏.‏

وأوثرت صيغة المضارع في ‏{‏إنما يؤمن‏}‏ لما تشعر به من أنهم يتجدّدون في الإيمان ويزدادون يقيناً وقتاً فوقتاً، كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله يستهزئ بهم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏15‏)‏، وإلاَّ فإن المؤمنين قد حصل إيمانهم فيما مضى ففعل المضي آثرُ بحكاية حالهم في الكلام المتداوَل لولا هذه الخصوصية، ولهذا عُرِّفوا بالموصولية والصلةِ الدالّ معناها على أنهم راسخون في الإيمان، فعبر عن إبلاغهم آيات القرآن وتلاوتها على أسماعهم بالتذكير المقتضي أن ما تتضمنه الآيات حقائق مقررة عندهم لا يُفادون بها فائدة لم تكن حاصلة في نفوسهم ولكنها تكسبهم تذكيراً ‏{‏فإن الذكرى تنفع المؤمنين‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 55‏]‏‏.‏ وهذه الصفة التي تضمنتها الصلة هي حالهم التي عُرفوا بها لقوة إيمانهم وتميزوا بها عن الذين كفروا، وليست تقتضي أن من لم يسْجدوا عند سماع الآيات ولم يسبّحوا بحمد ربّهم من المؤمنين ليسوا ممّن يؤمنون، ولكن هذه حالة أكمل الإيمان وهي حالة المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عرفوا بها، وهذا كما تقول للسائل عن علماء البلد‏:‏ هم الذين يلبسون عمائم صفتها كذا‏.‏ جاء في ترجمة مالك بن أنس أنه ما أفتى حتى أجازه سبعون محنَّكاً، أي عالماً يجعل شُقة من عمامته تحت حنكه وهي لبسة أهل الفقه والحديث‏.‏ قال مالك رحمه الله‏:‏ قلت لأُمي‏:‏ أذهبُ فأكتبُ العلم، فقالت‏:‏ تعالَ فالبسْ ثياب العلم‏.‏ فألبستني ثياباً مشمّرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها‏.‏

والخرور‏:‏ الهُوِيّ من علوّ إلى سفل‏.‏

والسجود‏:‏ وضع الجبهة على الأرض إرادة التعظيم والخضوع‏.‏

وانتصب ‏{‏سُجداً‏}‏ على الحال المبينة للقصد من ‏{‏خرُّوا،‏}‏ أي‏:‏ سجداً لله وشكراً له على ما حبَاهم به من العلم والإيمان كما دل عليه قرنه بقوله ‏{‏وسبَّحوا بحمد ربهم‏.‏

‏}‏ والباء فيه للملابسة وتقدم في سورة الإسراء ‏(‏107‏)‏‏:‏ ‏{‏إن الذين أوتوا العلم مِن قبله إذا يُتلى عليهم يخرّون للأذقان سجداً‏}‏ ودلّت الجملة الشرطية على اتصال تعلق حصول الجواب بحصول الشرط وتلازمهما‏.‏ وجيء في نفي التكبر عنهم بالمسند الفعلي لإفادة اختصاصهم بذلك، أي دون المشركين الذين كان الكبر خلقهم فهم لا يرضون لأنفسهم بالانقياد للنبيء منهم وقالوا‏:‏ ‏{‏لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربّنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 21‏]‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهم لا يستكبرون‏}‏ موضع سجدة من سجدات تلاوة القرآن رجاء أن يكون التالي من أولئك الذين أثنى الله عليهم بأنهم إذا ذُكِّروا بآيات الله سجدوا، فالقارئ يقتدي بهم‏.‏

وجملة ‏{‏تتجافى جنوبهم‏}‏ حال من الموصول، أي‏:‏ الذين إذا ذُكِّروا بها خرّوا ومَن حالهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع، أو استئناف‏.‏ وجيء فيها بالمضارع لإفادة تكرر ذلك وتجدده منهم في أجزاء كثيرة من الأوقات المعدة لاضطجاع وهي الأوقات التي الشأن فيها النوم‏.‏

والتجافي‏:‏ التباعد والمتاركة‏.‏ والمعنى‏:‏ أن تجافي جنوبهم عن المضاجع يتكرر في الليلة الواحدة، أي‏:‏ يكثرون السهر بقيام الليل والدعاء لله؛ وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الرجل في جوف الليل، كما سيأتي في حديث معاذ عند الترمذي‏.‏

و ‏{‏المضاجع‏:‏ الفرش جمع مضجع، وهو مكان الضجع، أي‏:‏ الاستلقاء للراحة والنوم‏.‏ وأل فيه عوض عن المضاف إليه، أي عن مضاجعهم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن الجنة هي المأوى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 41‏]‏‏.‏ وهذا تعريض بالمشركين إذ يمضون ليلهم بالنوم لا يصرفه عنهم تفكر بل يسقطون كما تسقط الأنعام‏.‏ وقد صرح بهذا المعنى عبد الله بن رواحة بقوله يصف النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد أصحاب هذا الشأن‏:‏

يبيت يجافي جنبه عن فراشه *** إذا استثقلتْ بالمشركين المضاجع

وجملة ‏{‏يدعون ربهم‏}‏ يجوز أن تكون حالاً من ضمير ‏{‏جنوبهم‏}‏ والأحسن أن تجعل بدل اشتمال من جملة ‏{‏تتجافى جنوبهم‏}‏‏.‏

وانتصب خوفاً وطمعاً‏}‏ على الحال بتأويل خائفين وطامعين، أي‏:‏ من غضبه وطمعاً في رضاه وثوابه، أي هاتان صفتان لهم‏.‏ ويجوز أن ينتصبا على المفعول لأجله، أي لأجل الخوف من ربهم والطمع في رحمته‏.‏

ولما ذكر إيثارهم التقرب إلى الله على حظوظ لذاتهم الجسدية ذكر معه إيثارهم إياه على ما به نوال لَذات أخرى وهو المال إذ ينفقون منه ما لو أبقوه لكان مجلبة راحة لهم فقال ‏{‏ومما رزقناهم ينفقون‏}‏ أي‏:‏ يتصدقون به ولو أيسر أغنياؤهم فقراءهم‏.‏ ثم عظم الله جزاءهم إذ قال‏:‏ ‏{‏فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين‏}‏، أي‏:‏ لا تبلغ نفس من أهل الدنيا معرفة ما أعد الله لهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى‏:‏ «أعددت لعبادي الصالحين ما لاَ عينٌ رأت ولا أذن سمعتْ ولا خَطر على قلب بشر» فدلّ على أن المراد ب ‏{‏نفس‏}‏ في هذه الآية أصحاب النفوس البشرية‏.‏

فإن مدركات العقول منتهية إلى ما تدركه الأبصار من المرئيات من الجمال والزينة، وما تدركه الأسماع من محاسن الأقوال ومحامدها ومحاسن النغمات، وإلى ما تبلغ إليه المتخيلات من هيئات يركِّبها الخيال من مجموع ما يعهده من المرئيات والمسمُوعات مثل الأنهار من عسل أو خمر أو لبن، ومثل القصور والقباب من اللؤلؤ، ومثل الأشجار من زبرجد، والأزهار من ياقوت، وتراب من مسك وعنبر، فكل ذلك قليل في جانب ما أعدّ لهم في الجنة من هذه الموصوفات ولا تبلغه صفات الواصفين لأن منتهى الصفة محصور فيما تنتهي إليه دلالات اللغات مما يخطر على قلوب البشر فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «ولا خطر على قلب بشر» وهذا كقولهم في تعظيم شيء‏:‏ هذا لا يعلمه إلا الله‏.‏ قال الشاعر‏:‏

فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا *** عشية آناء الديار وشامها

وعُبر عن تلك النعم ب ‏{‏مَا أُخفِيَ‏}‏ لأنها مغيبة لا تدرك إلا في عالم الخلود‏.‏

وقرة الأعين‏:‏ كناية عن المسرة كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقرِّي عيناً‏}‏ في سورة مريم ‏(‏26‏)‏‏.‏

وقرأ الجمهور أُخفيَ‏}‏ بفتح الياء بصيغة الماضي المبني للمجهول‏.‏ وقرأ حمزة ويعقوب ‏{‏أُخْفِي‏}‏ بصيغة المضارع المفتتح بهمزة المتكلم والياء ساكنة، و‏{‏جزاء‏}‏ منصوب على الحال من ‏{‏ما أخفي لهم‏}‏ وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم أنه جزاء على هذه الأعمال الصالحات في حديث أغرّ رواه الترمذي عن معاذ بن جبل قال‏:‏ «قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار‏.‏ قال‏:‏ لقد سألتَ عن عظيم وإنه ليسير على من يَسَّره الله عليه‏:‏ تَعبُدُ الله لا تشركُ به شيئاً وتقيمُ الصلاة وتؤتي الزكاة وتصومُ رمضان وتحجُّ البيت» ثم قال‏:‏ «ألا أدلك على أبواب الخير‏:‏ الصومُ جُنة والصدقة تطفئ الخطايا كما يُطفئ الماء النارَ وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا ‏{‏تتجافى جنوبهم عن المضاجع‏}‏ حتى بلغ ‏{‏يعملون‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏» الحديث‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 20‏]‏

‏{‏أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ‏(‏18‏)‏ أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏19‏)‏ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

فُرع بالفاء على ما تقدم من الآيات من الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين استفهام بالهمزة مستعمل في إنكار المساواة بين المؤمن والكافر، وهو إنكار بتنزيل السامع منزلة المتعجب من البَون بين جزاء الفريقين في ذلك اليوم فكانَ الإنكار موجهاً إلى ذلك التعجب في معنى الاستئناف البياني‏.‏ والكاف للتشبيه في الجزاء‏.‏

وجملة ‏{‏لا يستوون‏}‏ عطف بيان للمقصود من الاستفهام‏.‏

والفاسق هنا هو‏:‏ مَن ليس بمؤمن بقرينة قوله بعده ‏{‏وقيل لهم ذُوقُوا عذابَ النار الذي كنتم به تكذبون‏.‏‏}‏ فالمراد‏:‏ الفسق عن الإيمان الذي هو الشرك وهو إطلاق كثير في القرآن‏.‏ ثم أكد كِلا الجزاءين بذكر مرادف لمدلوله مع زيادة فائدة، فجملةُ ‏{‏فلهم جنات المأوى‏}‏ إلى آخرها مؤكدة لمضمون جملة ‏{‏فلا تعلم نفس ما أخْفِي لهم‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 17‏]‏ إلى آخرها‏.‏

وجملة ‏{‏فمأواهم النار‏}‏ إلى آخرها مؤكدة لمضمون جملة ‏{‏فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إلى بما كنتم تعملون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 14‏]‏‏.‏

و ‏{‏مَن‏}‏ الموصولة في الموضعين عامة بقرينة التفصيل بالجمع في قوله ‏{‏أمَّا الذينَ آمنوا‏}‏ الخ‏.‏ و‏{‏أما الذين فسقوا‏}‏‏.‏ فليست الآية نازلة في معيَّن كما قيل‏.‏

و ‏{‏المأوى‏:‏ المكان الذي يُؤْوَى إليه، أي يُرجع إليه‏.‏

والتعريف باللام فيه للعهد، أي مأوى المؤمنين، قال تعالى‏:‏ ‏{‏عندها جنة المأوى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 15‏]‏‏.‏ ولك أن تجعل اللام عوضاً عن المضاف إليه، أي مأواهم بقرينة قوله في مقابلح ‏{‏فمأواهم النار‏.‏‏}‏ وإضافة ‏{‏جنات‏}‏ إلى ‏{‏المأوى‏}‏ من إضافة الموصوف إلى الصفة لقصد التخفيف وهي واقعة في الكلام وإن اختلف البصريون والكوفيون في تأويلها خلافاً لا طائل تحته، وذلك مثل قولهم‏:‏ مسجد الجامع، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنت بجانب الغربي‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 44‏]‏، وقولهم‏:‏ عِشاء الآخرةِ‏.‏ والمعنى‏:‏ فلهم الجنات المأوى لهم، أي الموعودون بها‏.‏

وانتصب ‏{‏نزلاً‏}‏ على الحال من ‏{‏جنات المأوى‏.‏‏}‏ والنُزُل بضمتين مشتق من النزول فيطلق على ما يُعد للنزيل من العطاء والقِرى قال في «الكشاف»‏:‏ النزل‏:‏ عطاء النازل، ثم صار عاماً، أي‏:‏ يطلق على العطاء ولو بدون ضيافة مجازاً مرسلاً‏.‏ قلت‏:‏ ويطلق على محل نزول الضيف ولأجل هذه الإطلاقات يختلف المفسرون في المراد منه في بعض الآيات رعياً لما يناسب سياق الكلام‏.‏ وفسره الزجاج في هذه الآية ونحوها بالمنزل، وفسره في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أذلك خيرٌ نُزُلاً أم شجرة الزقوم‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 62‏]‏ فقال‏:‏ «يقول أذلك خير في باب الأنزال التي تمكن معها الإقامة أم نُزل أهل النار» وقد تقدم في آخر سورة آل عمران ‏(‏163‏)‏، والباء في ‏{‏بما كانوا يعملون للسببية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها‏}‏ تقدم نظيره في سورة الحج ‏(‏22‏)‏‏.‏

ويتجه في هذه الآية أن يقال‏:‏ لماذا أُظهر اسم النار في قوله ذُوقُوا عذاب النار‏}‏ مع أن اسم النار تقدم في قوله ‏{‏فمأواهم النار‏}‏ فكان مقتضى الظاهر الإضمار بأن يقال‏:‏ وقيل لهم ذوقوا عذابها‏.‏ وهذا السؤال أورده ابن الحاجب في «أماليه» وأجاب بوجهين‏:‏ أحدهما أن سياق الآية التهديد وفي إظهار لفظ النار من التخويف ما ليس في الإضمار، الثاني‏:‏ أن الجملة حكاية لما يقال لهم يومئذ فناسب أن يحكى كما قيل لهم وليس فيما يقال لهم تقدُّم ذكر النار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

إخبار بأن لهم عذاباً آخر لا يبلغ مبلغ عذاب النار الموعودين به في الآخرة فتعين أن العذاب الأدنى عذاب الدنيا‏.‏ والمقصود من هذا‏:‏ التعريضُ بتهديدهم لأنهم يسمعون هذا الكلام أو يبلغ إليهم‏.‏ وهذا إنذار بما لحقهم بعد نزول الآية وهو ما مُحنوا به من الجوع والخوف وكانوا في أمن منهما وما يصيبهم يوم بدر من القتل والأسر ويوم الفتح من الذل‏.‏

وجملة ‏{‏لعلهم يرجعون‏}‏ استئناف بياني لحكمة إذاقتهم العذاب الأدنى في الدنيا بأنه لرجاء رجوعهم، أي رجوعهم عن الكفر بالإيمان‏.‏ والمراد‏:‏ رجوع من يمكن رجوعه وهم الأحياء منهم‏.‏ وإسناد الرجوع إلى ضمير جميعهم باعتبار القبيلة والجماعة، أي لعل جماعتهم ترجع‏.‏ وكذلك كان فقد آمن كثير من الناس بعد يوم بدر وبخاصة بعد فتح مكة، فصار من تحقق فيهم الرجوع المرجوّ مخصوصين من عموم ‏{‏الذين فسقوا‏}‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها‏}‏ الآية ‏[‏السجدة‏:‏ 20‏]‏، فبقي ذلك الوعيد للذين ماتوا على الشرك، وهي مسألة الموافاة عند الأشعري‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذُكِّروا بها‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 15‏]‏ إلى آخرها حيث اقتضت أن الذين قالوا‏:‏ ‏{‏أإذا ضللنا في الأرض إنا لفي خلق جديد‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 10‏]‏ ليسوا كأولئك فانتُقل إلى الإخبار عنهم بأنهم أشد الناس ظلماً لأنهم يُذَكِّرون بآيات الله حين يتلى عليهم القرآن فيعرضون عن تدبرها ويَلْغون فيها، فآيات الله مراد بها القرآن‏.‏

وجيء في عطف جملة ‏{‏أعرضَ‏}‏ بحرف ‏{‏ثم‏}‏ لقصد الدلالة على تراخي رتبة الإعراض عن الآيات بعد التذكير بها تراخي استبعاد وتعجيب من حالهم كقول جعفر بن علبة الحارثي‏:‏

لا يكشف الغماء إلا ابنُ حرة *** يرى غمراتتِ الموت ثُم يزورها

أي‏:‏ عجيب إقدامه على مواقع الهلاك بعد مشاهدة غمرات الموت تغمر الذين أقدموا على تلك المواقع‏.‏

و ‏{‏مَن‏}‏ للاستفهام الإنكاري كقوله ‏{‏ومن أظلم ممن مَنَع مساجدَ الله أن يذكر فيها اسمه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 114‏]‏ أي‏:‏ لا أظلم منه، أي لا أحَد أظلم منه لأنه ظلَم نفسه بحرمانها من التأمل فيما فيه نفعه، وظلَم الآيات بتعطيل نفعها في بعضضِ مَن أريد انتفاعهم بها، وظَلَم الرسول عليه الصلاة والسلام بتكذيبه والإعراض عنه، وظَلَم حق ربه إذ لم يمتثل ما أراد منه‏.‏

وجملة ‏{‏إنا من المجرمين منتقمون‏}‏ مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن تفظيع ظلم الذي ذُكِّر بآيات ربِّه فأعرض عنها لأن السامع يترقب جزاء ذلك الظالم‏.‏ والمراد بالمجرمين هؤلاء الظالمون، عدل عن ذكر ضميرهم لزيادة تسجيل فظاعة حالهم بأنهم مجرمون مَع أنهم ظالمون، وقد يقال‏:‏ إن المجرمين أعم من الظالمين فيكون دخولهم في الانتقام من المجرمين أحروِيّاً وتصير جملة ‏{‏إنا من المجرمين منتقمون‏}‏ تذييلاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

لما جرى ذكر إعراض المشركين عن آيات الله وهي آيات القرآن في قوله ‏{‏ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 22‏]‏، استطرد إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بأن ما لقي من قومه هو نظير ما لقيه موسى من قوم فرعون الذين أرسل إليهم فالخبر مستعمل في التسلية بالتنظير والتمثيل‏.‏ فهذه الجملة وما بعدها إلى قوله ‏{‏فيما كانوا فيه يختلفون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 25‏]‏ معترضات‏.‏ وموقع التأكيد بلام القسم وحرف التحقيق هو ما استعمل فيه الخبر من التسلية لا لأصل الأخبار لأنه أمر لا يحتاج إلى التأكيد، وبه تظهر رشاقة الاعتراض بتفريع ‏{‏فلا تكن في مرية من لقائه‏}‏ على الخبر الذي قبله‏.‏

وأريد بقوله ‏{‏ءاتينا موسى الكتاب‏}‏ أرسلنا موسى، فذِكر إيتائه الكتاب كناية عن إرساله، وإدماج ذكر ‏{‏الكتاب‏}‏ للتنويه بشأن موسى وليس داخلاً في تنظير حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال موسى عليه السلام في تكذيب قومه إياه لأن موسى لم يكذبه قومه ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلناه هدى لبني إسرائيل‏}‏ الآيات، وليتأتى من وفرة المعاني في هذه الآية ما لا يتأتى بدون ذِكر ‏{‏الكتاب‏.‏

وجملة فلا تكن في مرية من لقائه‏}‏ معترضة وهو اعتراض بالفاء، ومثله وارد كثيراً في الكلام كما تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما‏}‏ الآية في سورة النساء ‏(‏135‏)‏‏.‏ ويأتي عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا فليذوقوه حميمٌ وغساق‏}‏ في سورة ص ‏(‏57‏)‏‏.‏

والمرية‏:‏ الشك والتردد‏.‏ وحرف الظرفية مجاز في شدة الملابسة، أي لا يكن الشك محيطاً بك ومتمكناً منك، أي لا تكن ممترياً في أنك مثله سينالك ما نالَه من قومه‏.‏

والخطاب يجوز أن يكون للنبيء، فالنهي مستعمل في طلب الدوام على انتفاء الشك فهو نهي مقصود منه التثبيت كقوله ‏{‏فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 109‏]‏، وليس لطلب إحداث انكفاف عن المرية لأنها لم تقع من قبل‏.‏

واللقاء‏:‏ اسم مصدر لَقِيَ وهو الغالب في الاستعمال دون لِقى الذي هو المصدر القياسي‏.‏ واللقاء‏:‏ مصادفة فاعل هذا الفعل مفعولَه، ويطلق مجازاً على الإصابة كما يقال‏:‏ لقيت عناء، ولقيت عَرق القِربة، وهو هنا مجاز، أي لا تكن في مرية في أن يصيبك ما أصابه، وضمير الغائب عائد إلى موسى‏.‏ واللقاء مصدر مضاف إلى فاعله، أي مما لقي موسى من قوم فرعون من تكذيب، أي من مثل ما لقي موسى، وهذا المضاف يدل عليه المقام أو يكون جارياً على التشبيه البليغ كقوله‏:‏ هو البدر، أي‏:‏ من لقاء كلقائه، فيكون هذا في معنى آيات كثيرة في هذا المعنى وردت في القرآن كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد استُهْزِئ برُسُل من قبلك‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 10‏]‏ ‏{‏فصبَروا على ما كُذّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا‏}‏

‏[‏الأنعام‏:‏ 34‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وإن كادوا لَيَسْتَفِزُّونك من الأرض لِيُخرِجُوك منها وإذاً لا يلبثون خَلْفَك إلا قليلاً سُنَّةَ من قد أرسلنا من قبلك من رُسُلِنا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 76، 77‏]‏‏.‏ هذا أحسن تفسير للآية وقريب منه مأثور عن الحسن‏.‏

ويجوز أن يكون ضمير ‏{‏لقائه‏}‏ عائداً إلى موسى على معنى‏:‏ من مثل ما لقي موسى من إرساله وهو أن كانت عاقبة النصر له على قوم فرعون، وحصول الاهتداء بالكتاب الذي أوتيه، وتأييده باهتداء بني إسرائيل، فيكون هذا المعنى بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله سيظهر هذا الدين‏.‏ ويجوز أن يكون ضمير ‏{‏لقائه‏}‏ عائداً إلى الكتاب كما في «الكشاف» لكن على أن يكون المعنى‏:‏ فلا تكن في شك من لقاء الكتاب، أي من أن تلقى من إيتائك الكتاب ما هو شنشنة تلقِّي الكتب الإلهية كما تلقاها موسى‏.‏ فالنهي مستعمل في التحذير ممن ظن أن لا يلحقه في إيتاء الكتاب من المشقة ما لقيه الرسل من قبله، أي من جانب أذى قومه وإعراضهم‏.‏ ويجوز أن يكون الخطاب في قوله ‏{‏فلا تكن‏}‏ لغير معين وهو موجه للذين امتروا في أن القرآن أنزل من عند الله سواء كانوا المشركين أو الذين يلقنونهم من أهل الكتاب، أي لا تمتروا في إنزال القرآن على بشر فقد أنزل الكتاب على موسى فلا تكونوا في مرية من إنزال القرآن على محمد‏.‏ وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ قالوا ما أنزل الله على بشر مِن شيء قل مَن أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 91‏]‏‏.‏ فالنهي مستعمل في حقيقته من طلب الكف عن المرية في إنزال القرآن‏.‏ وللمفسرين احتمالات أخرى كثيرة لا تسفر عن معنى بيِّن، ومن أبعدها حمل اللقاء على حقيقته وعود ضمير الغائب لموسى وأن المراد لقاؤه ليلة الإسراء وعَده الله به وحقَّقه له في هذه الآية قبل وقوعه‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وقال المبرد حين امتحن أبا إسحاق الزجاج بهذه المسألة

وضمير النصب في ‏{‏وجعلناه هدى‏}‏ يجوز أن يعود على الكتاب أو على موسى وكلاهما سبب هدى، فوصف بأنه هدى للمبالغة في حصول الاهتداء به وهو معطوف على ‏{‏ءاتينا موسى الكتاب‏}‏ وما بينهما اعتراض‏.‏ وهذا تعريض بالمشركين إذ لم يشكروا نعمة الله على أن أرسل إليهم محمد بالقرآن ليهتدوا فأعرضوا وكانوا أحق بأن يحرصوا على الاهتداء بالقرآن وبهدي محمد صلى الله عليه وسلم

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

أشير إلى ما مَنّ الله به على بني إسرائيل إذ جعل منهم أيمة يهدون بأمر الله والأمر يشمل الوحي بالشريعة لأنه أمر بها، ويشمل الانتصاب للإرشاد فإن الله أمر العلماء أن يبينوا الكتاب ويرشدوا إليه فإذا هدوا فإنما هدوا بأمره وبالعلم الذي آتاهم به أنبياؤهم وأحبارهم فأنعم الله عليهم بذلك لما صبروا وأيقنوا لما جاءهم من كتاب الله ومعجزات رسولهم فإن كان المراد من قوله ‏{‏بآياتنا يُوقِنُونَ‏}‏ دلائل صدق موسى عليه السلام، فالمعنى‏:‏ أنهم صبروا على مشاق التكليف والخروج بهم من أرض مصر وما لقوه من فرعون وقومه من العذاب والاضطهاد وتيههم في البرية أربعين سنة وتدبروا في الآيات ونظروا حتى أيقنوا‏.‏

وإن كان المراد من الآيات ما في التوراة من الشرائع والمواعظ فإطلاق اسم الآيات عليها مشاكلة تقديرية لما هو شائع بين المسلمين من تسمية جمل القرآن آيات لأنها مُعجزة في بلاغتها خارجة عن طوق تعبير البشر‏.‏ فكانت دلالات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وهذا نحو ما وقع في حديث رجم اليهوديين من قول الراوي‏:‏ فوضع اليهودي يده على آية الرجم، أي الكلام الذي فيه حكم الرجم في التوراة فسماه الراوي آية مشاكلة لكلام القرآن‏.‏ وفي هذا تعريض بالبشارة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم يكونون أيمة لدين الإسلام وهداة للمسلمين إذ صبروا على ما لحقهم في ذات الله من أذى قومهم وصبروا على مشاق التكليف ومعاداة أهلهم وقومهم وظلمهم إياهم‏.‏ وتقديم ‏{‏بآياتنا‏}‏ على ‏{‏يوقنون‏}‏ للاهتمام بالآيات‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏لَمَّا صَبَروا‏}‏ بتشديد الميم وهي ‏{‏لمّا التي هي حرف وجود لوجود وتسمى التوقيتية، أي‏:‏ جعلناهم أيمة حين صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بتخفيف الميم على أنها مركبة من لام التعليل و‏(‏ما‏)‏ المصدرية، أي جعلناهم أيمة لأجل صبرهم وإيقانهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

استئناف بياني لأن قوله تعالى ‏{‏وجعلنا منهم أيمة يَهْدُون بأمْرنا‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 24‏]‏ يثير سؤالاً في نفس السامع من المؤمنين الذين سمعوا ما في القرآن من وصف اختلاف بني إسرائيل وانحرافهم عن دينهم وشاهَد كثير منهم بني إسرائيل في زمانه غير متحلّين بما يناسب ما قامت به أيمتهم من الهداية فيودّ أن يعلم سبب ذلك فكان في هذه الآية جواب ذلك تعليماً للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين‏.‏

والخطاب للنبيء والمراد أمتُه تحذيراً من ذلك وإيماءً إلى وجوب تجنب الاختلاف الذي لا يدعو إليه داع في مصلحة الأمة وفهم الدين‏.‏

والفصل‏:‏ القضاء والحكم، وهو يقتضي أن اختلافهم أوقعهم في إبطال ما جاءهم من الهدى فهو اختلاف غير مستند إلى أدلة ولا جارٍ في مهيع أصل الشريعة؛ ولكنه متابعة للهوى وميل لأعراض الدنيا كما وصفه القرآن في آيات كثيرة في سورة البقرة وغيرها كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 105‏]‏‏.‏

وليس منه اختلاف أيمة الدين في تفاريع الأحكام وفي فهم الدين مما لا ينقض أصوله ولا يخالف نصوصه وإنما هو إعمال لأصوله ولأدلته في الأحوال المناسبة لها وحمل متعارضها بعضه على بعض فإن ذلك كله محمود غير مذموم؛ وقد اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فلم يعنّف أحداً، واختلفوا بعد وفاته فلم يعنّف بعضهم بعضاً‏.‏ ويشمل ما كانوا فيه يختلفون ما كان اختلافاً بين المهتدين والضالين منهم وما كان اتفاقاً من جميع أمتهم على الضلالة فإن ذلك خلاف بين المجمعين وبين ما نطقت به شريعتهم وسَنَّته أنبياؤهم، ومن أعظم ذلك الاختلاف كتمانهم الشهادة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وجحدهم ما أخذ عليهم من الميثاق من أنبيائهم‏.‏

وضمير ‏{‏هو‏}‏ في قوله ‏{‏هو يفصل‏}‏ ضمير فصل لقصر الفصل عليه تعالى إيماء إلى أن ما يذكر في القرآن من بيان بعض ما اختلفوا فيه على أنبيائهم ليس مطموعاً منه أن يرتدعوا عن اختلافهم وإنما هو للتسجيل عليهم وقطع معذرتهم لأنهم لا يقبلون الحجة فلا يفصل بينهم إلا يوم القيامة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏ومَن أظلم ممّن ذُكِّر بآيات ربه ثم أعرض عنها‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 22‏]‏، ولما كان ذلك التذكير متصلاً كقوله ‏{‏وقالوا أإذا ضَللنا إنّا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 10‏]‏ كان الهدي، أي العلم المستفهم عنه بهذا الاستفهام شاملاً للهدي إلى دليل البعث وإلى دليل العقاب على الإعراض عن التذكير فأفاد قوله ‏{‏كم أهلكنا من قبلهم من القرون‏}‏ معنين‏:‏ أحدهما‏:‏ إهلاك أمم كانوا قبلهم فجاء هؤلاء المشركون بعدهم، وذلك تمثيل للبعث وتقريب لإمكانه‏.‏ وثانيهما‏:‏ إهلاك أمم كذبوا رسلهم ففيهم عبرة لهم أن يصيبهم مثل ما أصابهم‏.‏

والاستفهام إنكاري، أي هم لم يهتدوا بدلائل النظر والاستدلال التي جاءهم بها القرآن فأعرضوا عنها ولا اتعظوا بمصَارع الأمم الذين كذبوا أنبياءهم وفي مهلكهم آيات تزجر أمثالهم عن السلوك فيما سلكوه‏.‏ فضمير ‏{‏لهم‏}‏ عائد إلى المجرمين أو إلى من ذُكِّر بآيات ربه‏.‏ و‏{‏يَهْدِ‏}‏ من الهداية وهي الدلالة والإرشاد، يقال‏:‏ هداه إلى كذا‏.‏

وضمن فعل ‏{‏يَهْدِ‏}‏ معنى يبيّن، فعدي باللام فأفاد هداية واضحة بينة‏.‏ وقد تقدم نظيره في قوله تعالى ‏{‏أو لم يَهْدِ للذين يرثون الأرض‏}‏ في سورة ‏[‏الأعراف‏:‏ 100‏]‏‏.‏ واختير فعل الهداية في هذه الآية لإرادة الدلالة الجامعة للمشاهدة ولسماع أخبار تلك الأمم تمهيداً لقوله في آخرها ‏{‏أفلا يسمعون‏}‏، ولأن كثرة ذلك المستفادة من ‏{‏كَم‏}‏ الخبرية إنما تحصل بترتيب الاستدلال في تواتر الأخبار ولا تحصل دفعة كما تحصل دلالة المشاهدات‏.‏

وفاعل ‏{‏يَهْدِ‏}‏ ما دلت عليه ‏{‏كم‏}‏ الخبرية من معنى الكثرة‏.‏ ولا يجوز عند الجمهور جعل كم فاعل يَهْدِ‏}‏ لأن ‏{‏كم‏}‏ الخبرية اسم له الصدارة في الاستعمال إذ أصله استفهام فتوسع فيه‏.‏

ويجوز جعل كم فاعلاً عند من لم يشترطوا أن تكون كم الخبرية في صدر الكلام‏.‏ وجوز في الكشاف‏}‏ أن يكون الفاعل جملة ‏{‏كم أهلكنا‏}‏ على معنى الحكاية لهذا القول، كما يقال‏:‏ تَعصمُ ‏(‏لا إله إلا الله‏)‏ الدماءَ والأموالَ، أي هذه الكلمة أي النطق بها لتقلد الإسلام‏.‏ ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الجلالة دالاً عليه المقام، أي ألم يهدِ الله لهم فإن الله بَين لهم ذلك وذكّرهم بمصَارع المكذبين، وتكون جملة ‏{‏كم أهلكنا‏}‏ على هذا استئنافاً، وتقدم ‏{‏ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن‏}‏ في أول الأنعام ‏(‏6‏)‏‏.‏

ونيط الاستدلال هنا بالكثرة التي أفادتها كم الخبرية لأن تكرر حدوث القرون وزوالها أقوى دلالة من مشاهدة آثار أمة واحدة‏.‏

‏{‏ويمشون في مساكنهم‏}‏ حال من فاعل ‏{‏أو لم يروا‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 27‏]‏ والمعنى‏:‏ أنهم يمرون على المواضع التي فيها بقايا مساكنهم مثل حِجر ثمود وديار مدين فتعضد مشاهدةُ مساكنهم الأخبار الواردة عن استئصالهم وهي دلائل إمكان البعث كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما نحن بِمَسْبُوقِين على أن نبدل أمثالكم ونُنْشِئَكم فيما لا تعلمون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 60، 61‏]‏، ودلائل ما يحيق بالمكذبين للرسل؛ وفي كل أمة وموطن دلائل كثيرة متماثلة أو متخالفة‏.‏

ولما كان الذي يؤثر من أخبار تلك الأمم وتقلبات أحوالها وزوال قوتها ورفاهيتها أشدّ دلالة وموعظة للمشركين فرع عليه ‏{‏أفلا يسمعون‏}‏ استفهاماً تقريرياً مشوباً بتوبيخ لأن اجتلاب المضارع وهو ‏{‏يسمعون‏}‏ مؤذن بأن استماع أخبار تلك الأمم متكرر متجدد فيكون التوبيخ على الإقرار المستفهَم عنه أوقعَ بخلاف ما بعده من قوله ‏{‏أفلا يبصرون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 27‏]‏‏.‏ وقد شاع توجيه الاستفهام التقريري إلى المنفي، وتقدم عند قوله تعالى ‏{‏ألم يأتكم رسل منكم‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏130‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ألم يروا أنه لا يكلمهم‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏148‏)‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏27‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏(‏أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ‏[‏27‏]‏‏)‏ عطف على ‏(‏أو لم يهد لهم‏)‏‏.‏ ونيط الاستدلال هنا بالرؤية لأن إحياء الأرض بعد موتها ثم إخراج النبت منها دلالة مشاهدة‏.‏ واختير المضارع في قوله ‏(‏نسوق‏)‏ لاستحضار الصورة العجيبة الدالة على القدرة الباهرة

والسوق‏:‏ إزجاء الماشي من ورائه

والماء‏:‏ ماء المزن وسوقه إلى الأرض هو سوق السحاب الحاملة إياه بالرياح التي تنقل السحاب من جو إلى جو؛ فشبهت هيئة الرياح والسحاب بهيئة السائق للدابة‏.‏ والتعريف في ‏(‏الأرض‏)‏ تعريف الجنس

والجرز‏:‏ اسم للأرض التي انقطع نبتها وهو مشتق من الجرز وهو‏:‏ انقطاع النبت والحشيش إما بسبب يبس الأرض أو بالرعي والجرز‏:‏ القطع‏.‏ وسمي السيف القاطع جرازا قال الراجز يصف أسنان ناقة‏:‏

تنحي على الشوك جرازا مقضبا *** والهرم تذريه إذدراء عجبا

فالأرض الجرز‏:‏ التي انقطع نبتها‏.‏ ولا يقال للأرض التي لا تنبت كالسباخ جرز‏.‏ والزرع‏:‏ ما نبت بسبب بذر حبوبه في الأرض كالشعير والبر والفصفصة وأكل الأنعام غالبه من الكلأ لا من الزرع فذكر الزرع بلفظه ثم ذكر أكل الأنعام يدل على تقدير‏:‏ وكلأ‏.‏ ففي الكلام اكتفاء‏.‏ والتقدير‏:‏ ونخرج به زرعا وكلأ تأكل منه أنعامهم وأنفسهم‏.‏ والمقصود‏:‏ الاستدلال على البعث وتقريبه وإمكانه بإخراج النبت من الأرض بعد أن زال؛ فوجه الأول‏.‏ وأدمج في هذا الاستدلال امتنان بقوله ‏(‏تأكل منه أنعامهم وأنفسهم‏)‏

ثم فرع عليه استفهام تقريري بجملة ‏(‏أفلا يبصرون‏)‏‏.‏ وتقدم بيان مثله آنفا في قوله ‏(‏أفلا يسمعون‏)‏‏.‏ ونيط الحكم بالإبصار هنا دلالة إحياء الأرض بعد موتها دلالة مشاهدة

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 30‏]‏

‏{‏وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏28‏)‏ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏29‏)‏ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

يجوز أن يكون عطفاً على جملة ‏{‏ثم أعرض عنها‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 22‏]‏، أي‏:‏ أعرضوا عن سماع الآيات والتدبر فيها وتجاوزوا ذلك إلى التكذيب والتهكم بها‏.‏ ومناسبة ذكر ذلك هنا أنه وقع عقب الإشارة إلى دليل وقوع البعث وهو يوم الفصل‏.‏ ويجوز أن يعطف على جملة ‏{‏وقالوا أإذا ضَلَلْنا في الأرض إنّا لفي خلق جديد‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 10‏]‏‏.‏

والمعنى‏:‏ أنهم كذبوا بالبعث وما معه من الوعيد في الآخرة وكذّبوا بوعيد عذاب الدنيا الذي منه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولنُذِيقَنَّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 21‏]‏‏.‏

و ‏{‏الفتح‏:‏ النصر والقضاء‏.‏ والمراد به‏:‏ نصر أهل الإيمان بظهور فوزهم وخيبة أعدائهم فإن خيبة العدوّ نصر لضِده وكان المسلمون يتحدّون المشركين بأن الله سيفتح بينهم وينصرهم وتظهر حجتهم، فكان الكافرون يكررون التهكم بالمسلمين بالسؤال عن وقت هذا الفتح استفهاماً مستعملاً في التكذيب حيث لم يحصل المستفهم عنه‏.‏ وحكاية قولهم بصيغة المضارع لإفادة التعجيب منه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يجادلنا في قوم لوط‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 74‏]‏ مع إفادة تكرر ذلك منهم واتخاذهم إياه‏.‏ والمعنى‏:‏ إن كنتم صادقين في أنه واقع فبينوا لنا وقته فإنكم إذ علمتم به دون غيركم فلتعلموا وقته‏.‏ وهذا من السفسطة الباطلة لأن العلم بالشيء إجمالاً لا يقتضي العلم بتفصيل أحواله حتى ينسب الذي لا يعلم تفصيله إلى الكذب في إجماله‏.‏

واسم الإشارة في ‏{‏هذا الفتح‏}‏ مع إمكان الاستغناء عنه بذكر مبينهِ مقصود منه التحقير وقلة الاكتراث به كما في قول قيس بن الخطيم‏:‏

متى يأت هذا الموتُ لا يلف حاجة *** لنفسي إلا قَدْ قضيت قضاءها

إنباء بقلة اكتراثه بالموت ومنه قوله تعالى حكاية عنهم‏:‏ ‏{‏أهذا الذي يذكر ءالهتكم‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 36‏]‏ فأمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم على طريقة الأسلوب الحكيم بأن يومَ الفتح الحق هو يوم القيامة وهو يوم الفصل وحينئذ ينقطع أملَ الكفار في النجاة والاستفادة من الندامة والتوبة ولا يجدون إنظاراً لتدارك ما فاتهم، أي إفادتُهم هذه الموعظة خير لهم من تطلبهم معرفة وقت حلول يوم الفتح لأنهم يقولون يومئذ ‏{‏ربنا أبصَرْنا وسمِعْنا فارجعنا نعملْ صالحاً إنّا موقنون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 12‏]‏ مع ما في هذا الجواب من الإيماء إلى أن زمن حلوله غير معلوم للناس وأنه مما استأثر الله به فعلى من يحتاط لنجاة نفسه أن يعمل له من الآن فإنه لا يدري متى يحلّ به ‏{‏لا ينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 158‏]‏‏.‏ ففي هذا الجواب سلوك الأسلوب الحكيم من وجهين‏:‏ من وجه العدول عن تعيين يوم الفتح، ومن وجه العدول بهم إلى يوم الفتح الحق، وهم إنما أرادوا بالفتح نصر المسلمين عليهم في الحياة الدنيا‏.‏

وإظهار وصف ‏{‏الذين كفروا في مقام الإضمار مع أنهم هم القائلون متى هذا الفتح‏}‏ لقصد التسجيل عليهم بأن كفرهم هو سبب خيبتهم‏.‏

ثم فرع على جميع هذه المجادلات والدلالات توجيه الله خطابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يعرض عن هؤلاء القائلين المكذبين وأن لا يزيد في الإلحاح عليهم تأييساً من إيمان المجادلين منهم المتصدّين للتمويه على دهمائهم‏.‏ وهذا إعراض متاركة عن الجدال وقتياً لا إعراض مستمر، ولا عن الدعوة إلى الله ولا علاقة له بأحكام الجهاد المشروع في غير هذه الآية‏.‏

والانتظار‏:‏ الترقب‏.‏ وأصله مشتق من النظر فكأنه مطاوع‏:‏ أنظره، أي أراه فانتظر، أي‏:‏ تكلف أن ينظُر‏.‏ وحذف مفعول ‏{‏انتظر‏}‏ للتهويل، أي‏:‏ انتظر أياماً يكون لك فيها النصر، ويكون لهم فيها الخسران مثل سني الجوع إنْ كان حصلت بعد نزول هذه السورة، ومثل يوم بدر ويوم فتح مكة وهما بعد نزول هذه السورة لا محالة، ففي الأمر بالانتظار تعريض بالبشارة للمؤمنين بالنظر، وتعريض بالوعيد للمشركين بالعذاب في الدارين‏.‏

وجملة ‏{‏إنهم منتظرون‏}‏ تعليل لما تضمنه الأمر بالانتظار من إضمار العذاب لهم‏.‏ ومفعول ‏{‏منتظرون‏}‏ محذوف دل عليه السياق، أي منتظرون لكم الفرصة لحربكم أو لإخراجكم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 98‏]‏ أي لم نكن ظالمين في تقدير العذاب لهم لأنهم بدأوا بالظلم‏.‏